فخر الدين الرازي
125
تفسير الرازي
إرسال شواظ ، وقال : * ( يطوفون بينها وبين حميم آن ) * ( الرحمن : 44 ) مع أن الحميم غير الجحيم ، وكذا قال تعالى : * ( هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ) * ( الرحمن : 43 ) وهو كلام تام ، وقوله تعالى : * ( يطوفون بينها وبين حميم آن ) * ( الرحمن : 44 ) كلام آخر ولم يفصل بينهما بالآية المذكورة ؟ نقول : فيه تغليب جانب الرحمة ، فإن آيات العذاب سردها سرداً وذكرها جملة ليقصر ذكرها ، والثواب ذكره شيئاً فشيئاً ، لأن ذكره يطيب للسامع فقال بالفصل وتكرار عود الضمير إلى الجنس بقوله : * ( فيهما عينان ) * ، * ( فيهما من كل فاكهة ) * لأن إعادة ذكر المحبوب محبوب ، والتطويل بذكر اللذات مستحسن . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( فيهما عينان تجريان ) * أي في كل واحدة عين واحدة كما مر ، وقوله : * ( فيهما من كل فاكهة زوجان ) * معناه كل واحدة منهما زوج ، أو معناه في كل واحدة منهما من الفواكه زوجان ، ويحتمل أن يكون المراد مثل ذلك أي في كل واحدة من الجنتين زوج من كل فاكهة ففيهما جميعاً زوجان من كل فاكهة ، وهذا إذا جعلنا الكنايتين فيهما للزوجين ، أو نقول : من كل فاكهة لبيان حال الزوجين ، ومثاله إذا دخلت من على ما لا يمكن أن يكون كائناً في شيء كقولك : في الدار من الشرق رجل ، أي فيها رجل من الشرق ، ويحتمل أن يكون المراد في كل واحدة منها زوجان ، وعلى هذا يكون كالصفة بما يدل عليه من كل فاكهة كأنه قال : فيهما من كل فاكهة ، أي كائن فيهما شيء من كل فاكهة ، وذلك الكائن زوجان ، وهذا بين فيما تكون من داخله على ما لا يمكن أن يكون هناك كائن في الشيء غيره ، كقولك : في الدار من كل ساكن ، فإذا قلنا : فيهما من كل فاكهة زوجان الثالث : عند ذكر الأفنان لو قال : فيهما من كل فاكهة زوجان كان متناسباً لأن الأغصان عليها الفواكه ، فما الفائدة في ذكر العينين بين الأمرين المتصل أحدهما بالآخر ؟ نقول : جرى ذكر الجنة على عادة المتنعمين ، فإنهم إذا دخلوا البستان لا يبادرون إلى أكل الثمار بل يقدمون التفرج على الأكل ، مع أن الإنسان في بستان الدنيا لا يأكل حتى يجوع ويشتهي شهوة مؤلمة فكيف في الجنة فذكر ما يتم به النزهة وهو خضرة الأشجار ، وجريان الأنهار ، ثم ذكر ما يكون بعد النزهة وهو أكل الثمار ، فسبحان من يأتي بالآي بأحسن المعاني في أبين المباني . ثم قال تعالى : * ( مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . وفيه مسائل نحوية ولغوية ومعنوية . المسألة الأولى من النحوية : هو أن المشهور أن ( متكئين ) حال وذو الحال من في قوله : * ( ولمن خاف مقام ربه ) * ( الرحمن : 46 ) والعامل ما يدل عليه اللام الجارة تقديره لهم في حال الاتكاء جنتان